فيلم مغارة ماريا.. ثورة ضد المسكوت عنه!
ما عجزت عن إثارته وسائل الاعلام والمنظمات النسوية والتنظيمات الديمقراطية، نجحت السينما الوثائقية في إثارته وفي دفع جميع من شاهدوه أو سمعوا عنه لتحديد مواقفهم بدون مواربة.
بقلم: مهند عبد الحميد
ما عجزت عن إثارته وسائل الاعلام والمنظمات النسوية والتنظيمات الديمقراطية، نجحت السينما الوثائقية في إثارته وفي دفع جميع من شاهدوه أو سمعوا عنه لتحديد مواقفهم بدون مواربة.
السينمائية والناشطة النسوية بثينة خوري اخترقت الصمت عندما طرحت المسكوت عنه- اكثر القضايا حساسية في مجتمعنا الفلسطيني- وهي ظاهرة القتل على خلفية "الشرف". جرأة وشجاعة وشعور بالمسؤولية تجاه تحرر المرأة جسدتها جميعا خوري في فيلمها الوثائقي (مغارة ماريا). القالب الفني القصصي الدرامي خدم المضمون الانساني للفيلم وأوصل الرسالة بسلاسة الى المشاهدين، ودفعهم للتفاعل عميقا بأحاسيسهم، بل حثهم على طرق الجدران والاحتجاج، ودعاهم لقول شيء. الفيلم لا ينتهي مع الخاتمة بل تأخذك مشاهده الدرامية في إطلالة لا تخلو من مغزى على الماضي، وتدخلك في حلبة اشتباك الافكار والقيم والمفاهيم وأنت تعيش حاضرا معتما باحثا عن نقطة ضوء.

ما سبق يفسر بقاء الحضور على مقاعده وحماسه في النقاش، عندما عرض الفيلم في سينما القصبة برام الله لاول مرة، ويفسر أيضا حصوله على الجائزة الفضية في مهرجان دبي السينمائي/ كانون اول الماضي.

جرائم "الشرف" موضوع فيلم مغارة ماريا ظاهرة اجتماعية غير مختلقة، وهي مرتبطة بأزمة المجتمع والنظام السياسي في العالم العربي. ففي مدينة البصرة وحدها قتل 133 امرأة في عام 2007، وفي الاردن يقتل سنويا ما بين 25-30 امرأة وفتاة، العدد ذاته يقتل في فلسطين على خلفية "الشرف"، وثمة ضحايا عديدة بلا إعلان ولا يبلغ عنها. تتقاطع هذه الظاهرة مع ظاهرة الاغتصاب الاكثر انتشارا، ومع سفاح القربى ايضا. في المجال الاجتماعي يعتبر طرح مشكلاتنا وعيوبنا وتشخيصها ونقدها بجرأة الطريق الاقصر لحلها وللتقليل من مضاعفاتها، وهو الوجه الاخر لتظهير وإبراز عناصر قوتنا وقيمنا الايجابية الكثيرة. أما عدم الاعتراف فيعني رفض العلاج والمعافاة والسماح لتلك الامراض بنخر مجتمعنا من داخله. وما حسبنا إذا ما قام المجتمع بمعاقبة الضحية خشية من "الفضيحة" بمعايير التقاليد والاعراف وفي مواجهة القانون والشرع. فيلم (مغارة ماريا) خرق المألوف عندما كشف المرض وآلامه ومخاطره ودعا الناس لمعالجته ووقف انتشاره، وبدأ هذا العمل يأتي أكله سريعا عندما وعد وزير العدل بتقديم مشروع قانون لمؤسسة الرئاسة يتضمن حذف "العذر المخفف"في نظام العقوبات مؤقتا ريثما ينعقد المجلس التشريعي.

(ماريا) ضحية الامس قتلت في الثلاثينات وتبين انها بريئة، تماما كما هو حال 90% من ضحايا اليوم اللواتي ثبت عدم وجود دليل يبرر قتلهن، كان يكفي الشك في السلوك لتنفيذ جريمة القتل في الماضي، ويتواصل الآن الاخذ بالشك فقد بلغت نسبة من قتلن على قاعدة الشك 79% من مجموع الضحايا، وفقط 9% من الضحايا اعترفن او ضبطن بالقرائن.

أطلق الفيلم إشارة خطيرة هي تنفيذ الثوار لعملية قتل ماريا بالامس البعيد.الخطورة تنبع من وجود خيط يصل الماضي بالحاضر، فثمة من ينفذ او يرعى أعمال قتل وهناك من يتغاضى عن أعمال قتل وأعمال انتقام ثأرية بين مناضلي اليوم. ماذا يعني ثورة ضد محتل بمضمون اجتماعي متخلف ورجعي أمس.. واليوم؟ سؤال كبير يستدعي وقفة جريئة.

يقول الفيلم وتؤكد مخرجته بأن مجتمعنا يخضع لنظام القبيلة والعشيرة ومعهما موروث اجتماعي ثقيل، فالحق العشائري يتغلب في كل مرة على الحق العام والقانون. الشاب النادم على فعلته"قاتل شقيقته يقول بصراحة: نظرة المجتمع ونظرة الناس حطمتني، الكل كان يقول لي: اذبحها انت مش رجل! ويضيف، تمنيت لو انها هربت من امامي وأنا أحاول قتلها. المصيبة كانت أعظم عندما كشف الفيلم "ان ثلاثة ارباع عناصر الشرطة (حماة القانون) افتراضا وصفوا الجريمة: بانها عمل مشرف!! والربع قال انها جريمة.

الاهم، كاميرا خوري تدخل عالم المرأة وتمنحها فرصة للفضفضة والتعبير عن معاناتها بطريقتها الخاصة، الفتاة (آية) تصف مشاعرها الانسانية المتدفقة لحظة وقوع الجريمة أمامها: رايت مشهد الرعب.. جريمة القتل الوحشية ولم أفعل شيئا وبعد مغادرة المجرم، انحنيت على جسد الفتاة الغارق بالدماء وأعتذرت لها لانني لم استطع انقاذها.. الاعتراف بالعجز الانساني هنا يتفوق على فاقد انسانيته مرتكب فعل القتل، لكنه تفوق سلبي لانه أخفق في الانقاذ.

و(عبير) الصبية المهددة بالقتل من عائلتها إذا ما صعدت الى المسرح وغنت مع فرقة (الهيب هوب)، ذريعة الاهل كانت: "خوفا من كلام الناس"، تعبر عن معاناتها بالقول: الحب ممنوع وإذا بتحكي عنه يمكن تنقتلي، انا لا أفهم ذلك، اكثر ما صدمني هو موقف صديقاتي المؤيد للقتل على خلفية "الشرف". كلام الناس حكاية تطول وتتشعب بلا حدود، لا أحد يستطيع إرضاء الناس، رعب يصنع مأساتنا ويعمق تخلفنا ويجعلنا نصمت.

الفيلم يطرح سؤالا على درجة كبيرة من الاهمية لماذا تتحكم في مجتمعنا عقلية تقليدية متشبثة بعادات وقيم القبيلة المخالفة للقانون وللشرع معا؟ ولماذا لم يحدث إصلاح اجتماعي منذ أمد طويل؟ الفيلم بَيّنَ قوة المنطق العشائري المتغلغل في بنية المجتمع وثقافته المنتمية لعلاقات ما قبل رأسمالية بنجاح كبير. لكنه لم يذهب الى أبعد من ذلك، لم يقم وزنا لحقيقة تدمير البنية الاجتماعية الاقتصادية وقطع الطريق على كل محاولات إعادة البناء، وعدم الوصول الى مرحلة الدولة ومنظومة القوانين المتقدمة، وعدم توفر القوة الحامية للقانون. فغياب هذه العوامل تدفع المجتمع الى الاستقواء بالعلاقات القديمة وموروثها الاجتماعي الثقيل.

ينتهيي الفيلم بلقطة فنية رمزية، إغلاق باب المغارة بوجود هيكل عظمي، هل هذا المشهد النهاية، يعد إشارة لإغلاق ملفات الرعب الاجتماعي بدون معالجتها بما يعادل الموت. أم أن المخرجة أرادت إطلاق صرخة تقول فيها لنا: اخرجوا أسراركم من البئر ولا تخشوا الموت.
This e-mail address is being protected from spam bots, you need JavaScript enabled to view it